الغزالي
78
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
الحجاب لم يكن للعمال أن يجوروا على الرعايا وخافت الرعية من جور بعضهم على بعض ، ومن سهولة الحجاب يكون للملك على سائر العمال اطلاع . ولا يجوز للسلطان أن يكون غافلا لتكون الهيبة من ناموس المملكة باقية ، ويستريح من الهموم الحادثة عن الغفلة . حكاية : يقال إن أزدشير كان متيقظا ذا فطنة بالأمور ، بحيث إذا جاءه ندماؤه من الغد حدث كل واحد منهم بما صنعه ، وكان يقول لأحدهم : إنك البارحة فعلت الشيء الفلاني ونمت مع زوجتك ومع جاريتك الفلانية . ومهما كان يجري لندمائه يحدثهم به من الغد ، بحيث إنهم كانوا يقولون ويظنون أن ملكا من السماء يأتي ويعرفه بأفعالهم . وكذلك كان السلطان محمود بن سبكتكين رحمه اللّه . حكمة : قال أرسطاطاليس : خير الملوك من كان في حدّة نظره على مثال العقاب ، وكان الذين حوله كعقبان لا كالجيف . يعني إذا كان السلطان جيد النظر ذا يقظة بالأمور ، ذا فكرة في العاقبة ، وكان المقرّبون منه وخواص دولته بهذه الصفة ، انتظمت أحوال مملكته واستقامت أمور أهل ولايته . حكمة : قال الإسكندر : خير الملوك من بدل السنة السيئة بالسنة الحسنة ، وشرّ الملوك من بدل السنة الحسنة بالسنة السيئة . حكمة : قال أبرويز : ثلاثة لا يجوز للملك التجاوز عنهم ولا يصفح عن ذنوبهم : من قدح في ملكه ، أو أفسد حرمه ، أو أفشى سرّه . قال سفيان الثوري : خير الملوك من جالس أهل العلم . ويقال : إن جميع الأشياء تتجمّل بالناس ، والناس يتجمّلون بالعلم وتعلو أقدارهم بالعقل ، وليس شيء خيرا من العقل والعلم ، فإن العلم بقاء العزّ ودوامه ، والعقل بقاء السرور ونظامه . ومن اجتمع العلم والعقل فيه فقد اجتمعت فيه اثنتا عشرة خصلة : العفة ، والأدب ، والتقى ، والأمانة ، والصحة ، والحياء ، والرحمة ، وحسن الخلق ، والوفاء ، والصبر ، والحلم ، والمداراة في مكانها ؛ وهذه من خواص آداب الملك . وينبغي أن يكون مع العقل العلم كما أن مع النعمة الشكر ، ومع الصباحة والحلاوة ، ومع الاجتهاد الدولة ، فإذا جاءت الدولة حصل المراد جميعه .